مفاوضات جوبا والصفقة الخاسرة بقلم الاستاذ حسن عبد الحميد

Spread the love

يُحكى عن مديرعام الشرطة أواخر أيام الفريق عبود ـ ولعله كان اللواء أبّارو ـ أنه كان في مهمة خارج البلاد، وعندما عاد وجد أن ثورة أكتوبر قد أطاحت بنظام عبود وأنهت فترة حكمه، فقال لو كنت موجودا بالبلاد لألهيت الجماهير ببعض مباريات الهلال والمريخ، ولمضت الأحداث بسلام… هذه الحكاية ـ بغض النظر عن نسبتها للواء أبّارو ـ تشير باختصار إلى تكتيك تلجأ إليه الحكومات ـ خاصة التي لا تتمتع بقاعدة جماهيرية ـ لإلهاء الجماهير عن أحداث جسام، ببعض الملهيات حتى تكسب الوقت، وتمضي في سياساتها المدبرة دون معارضة قوية، أو أن أوان المعارضة يكون قد مضى، وتواجه الناس بأمر واقع يتفاعلون معه على قسوته دون معارضة ذات شأن.
حدثان وخبر يشغلان الساحة السياسية هذه الأيام، وسال مداد كثير حولها، وثار لغط وجدل واسع ربما يستمر لفترة من الزمن ريثما تأتي أحداث وأخبار في قوة إثارتها للجدل، أما الحدثان فأولهما ما يدور حول علاقة الدعم السريع بالقوات المسلحة، ومحاولات دمجها، مع مطالبات هنا بهذا الدمج، ومعارضة هناك لهذه العملية، وتصريحات من هنا وهناك تطمئن أو تدعو للقلق حسب الزاوية التي ينطلق منها صاحب التصريح أو متلقيه، مع تصريحات للفريق حميدتي يتفوه بها بين الفينة والأخرى يسهر الخلق جرّاها ويختصم كما قال المتنبي، والحدث الثاني إخلاء منزل علي عثمان محمد طه بواسطة الشرطة وبأمر من لجنة إزالة التمكين، وتشريد أسرته، بحجة أن المنزل تم بناءه بواسطة جهاز الأمن وأن لجنة إزالة التمكين تريد إرجاع المنزل إلى الدولة من علي عثمان الذي تملكه بغير وجه حق حسب زعمها، وقد أصدر علي عثمان محمد طه بيانا من محبسه في كوبر؛ فند فيه مزاعم لجنة إزالة التمكين وتحداها أن تثبت دعواها مع استعداده للتنازل عن المنزل والاعتذار للشعب السوداني إن أثبتت دعواها..وهذا الحدث سيشغل لفترة الرأي العام،والحركة الإسلامية، وقبيلة الكواهلة التي تنتمي إليها زوجة علي عثمان. أما الخبر الذي تتداوله وسائط الإعلام بكثافة دون نفي حكومي، اعتزام الحكومة رفع سعر جالون البنزين إلى أكثر من ألف وثلاثمائة جنيه، ورفع جالون الجازولين إلى أكثر من ألف ومائتين جنيه، هذا الخبر سيشغل بال الناس كثيرا، ويؤثر على مجمل الحياة في السودان حال تطبيقة، وسيؤثر على حياة الناس ابتداءا من الانتاج الزراعي وانتهاءا بتعريفة المواصلات العامة.
وفي غمرة هذين الحدثين، وهذا الخبر؛ تمضي مفاوضات جوبا بين الحكومة الانتقالية والحركة الشعبية قطاع الشمال برئاسة عبد العزيز الحلو، وهي المفاوضات التي تمضي في تكتم شديد، وقد منعت الوساطة الطرفين من التصريح لوسائل الإعلام حول مجرياتها الحقيقية، وما يتسرب لأجهزة الإعلام لا يعدو أن يكون (مضمضة لفظية) أو حديثا موغلا في التعميم لا يشير إلى حقيقة ما يجري في غرف المفاوضات المغلقة، وفي يقيني أن هذين الحدثين وهذا الخبر ـ وأمثالهما ـ مما يساق لشغل الناس عن حقيقة ما يجري في جوبا، حتى تصل المفاوضات إلى اتفاق، يتم إعلانه، ويصبح أمرا واقعا، وتضيع الحقيقة بين مؤيدي الاتفاق، ومعارضيه، ولكن دون جدوى، بعد أن تفرض الحكومة الاتفاق ـ بمباركة خارجية ـ بنود الاتفاق علي الشعب السوداني كأمر واقع لا مناص من تنفيذه.
أخطر ما ستتمخض عنه مفاوضات جوبا الحالية موضوع العلمانية الذي تدعو له الحركة الشعبية قطاع الشمال برئاسة الحلو، ويجد هذا المطلب دعما من القوى الدولية، وعلى رأسها دول الترويكا ( الولايات المتحدة، وبريطانيا والنرويج) التي أطلت برأسها في هذه المفاوضات كما أطلت من قبل في نيفاشا لتضفي عليه مباركة دولية؛ بالإضافة إلى مباركة داخلية متمثلة في الأقليات السياسية التي ينتمي إليها اليساريون والجمهوريون، ومن لفّ لفهما، وبالمقابل فإن مطلب العلمانية يجد معارضة واضحة من قوى سياسية ذات ثقل واضح في الشارع السوداني، متمثلة في حزب الأمة، والإسلاميين، وبعض الاتحاديين، مما يعني أن أزمة سياسية كبرى ستنشأ حال أصرت الحكومة الانتقالية على إقرار العلمانية طمعا في الوصول لاتفاق مع فصيل الحركة الشعبية قطاع الشمال الذي يرأسه الحلو.
الحكومة الانتقالية تعاني من أزمة مشروعية واضحة في الأمر الذي تزمع التوقيع عليه والمضي فيه للنهاية، وتتمثل أزمة المشروعية لدى الحكومة الانتقالية في أنها غير مفوضة للخوض في مثل هذه الأمور، لأنها انتقالية وحكومة تصريف أعمال فقط، ينحصر دورها في إدارة الدولة، وتهيئة الأوضاع لانتخابات عامة حرة ونزيهة، ولكنها تورطت فيما لا تفويض لها بشأنه مثل موضوع التطبيع، والموافقة على اتفاقية ( سيداو) وغيرهما، وتريد أن تمضي لنهاية شوط عدم المشروعية في مناقشة موضوع العلمانية ومحاولة إقرارها في اتفاقها مع الحلو.
الدعم الخارجي الذي تتوقعه الحكومة الانتقالية او تتوهمه، وتستعين به في المضي نحو مناقشة موضوع العلمانية وإقرارها؛ لن يمنع عنها الوصم بعدم المشروعية، ولن يمنع عنها السقوط المدوي، بالإضافة إلى اللعنة التي تلاحقها في التاريخ، فقط مطلوب من القوى الرافضة للعلمانية أن تحشد قواها وترمي عن قوس واحدة هذه الحكومة المتجاوزة لمهامها والفاقدة المشروعية فيما تزمع المضي فيه، وتحاصرها وتسقطها، وهو أمر ليس بالعسير إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: