مقتطفات من كلام الإمام البنا

Spread the love

إلى أي شيء ندعو الناس؟

قد تتحدث إلى كثير من الناس في موضوعات مختلفة فتعتقد أنك قد أوضحت كل الإيضاح، وأبنت كل الإبانة, وأنك لم تدع سبيلاً للكشف عما في نفسك إلا سلكتها, حتى تركت من تحدثهم على المحجة البيضاء و جعلت لهم ما تريد بحديثك من الحقائق كفلق الصبح أو كالشمس في رابعة النهار كما يقولون, و ما أشد دهشتك بعد قيل حين ينكشف لك أن القوم لم يفهموا عنك و لم يدركوا قولك.

رأيت ذلك مرات و لمسته من عدة مواقف, و اعتقد أن السر فيه لا يعدوا أحد أمرين:

إما أن الذي يقيس به كل منا و ما يسمع عنه مختلف, فيختلف تبعًا لذلك الفهم و الإدراك, و إما أن يكون القول في ذاته ملتبسًا غامضًا و إن اعتقد قائله أنه واضح مكشوف.

المقياس..

وأنا أريد في هذه الكلمة أن أكشف للناس عن دعوة الإخوان المسلمين وغايتها ومقاصدها وأساليبها وسائلها في صراحة ووضوح وفي بيان وجلاء, وأحب أولاً أن أحدد المقياس الذي نقيس به هذا التوضيح, و سأجتهد في أن يكون القول سهلاً ميسورًا لا يتعذر فهمه على قارئ يحب أن يستفيد, وأظن أن أحدًا من الأمة الإسلامية جميعًا لا يخالفني في أن يكون هذا المقياس هو كتاب الله نستقي من فيضه و نستمد من بحره و نرجع إلى حكمه.

يا قومنا..

إن القرآن الكريم كتاب جامع جمع الله فيه أصول العقائد وأسس المصالح الاجتماعية, وكليات الشرائع الدنيوية, فيه أوامر وفيه نواه, فهل عمل المسلمون بما في القرآن فاعتقدوا وأيقنوا بما ذكر الله من المعتقدات, و فهموا ما أوضح لهم من الغايات؟ و هل طبقوا شرائعه الاجتماعية والحيوية على تصرفاتهم في شؤون حياتهم؟ إن انتهينا من بحثنا أنهم كذلك فقد وصلنا معا إلى الغاية, و إن تكشف البحث عن بعدهم عن طريق القرآن و إهمالهم لتعاليمه و أوامره فاعلم أن مهمتنا أن نعود بأنفسنا و بمن تبعنا إلى هذا السبيل.

غاية الحياة في القرآن..

إن القرآن حدد غايات الحياة و مقاصد الناس فيها فبين أن قومًا غايتهم من الحياة الكل والمتعة فقال تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) (محمد:12)، وبين أن قوما مهمتهم في الحياة الزينة والعرض الزائل فقال تبارك و تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران:14)، وبين أن قومًا آخرين شأنهم في الحياة إيقاد الفتن و إحياء الشرور, أولئك الذين قال الله فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَالله ُلاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة:204-205).

تلك مقاصد من مقاصد الناس في الحياة نزه الله المؤمنين عنها وبرأهم منها و كلفهم مهمة أرقى, وألقى على عاتقهم واجبًا أسمى ذلك الواجب هو: هداية الناس إلى الحق, و إرشاد الناس جميعًا إلى الخير, وإنارة العالم كله بشمس الإسلام فذلك قوله تبارك و تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ , وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ و َتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج:77-78).

ومعنى هذا أن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة, و يعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصاية النبيلة وإذا فذلك من شأننا لا من شأن الغرب و لمدنية الإسلام لا لمدنية المادة.

وصاية المسلم تضحية لا استفادة..

ثم بين الله تبارك وتعالى أن المؤمن في سبيل هذه الغاية قد باع لله نفسه وماله فليس له فيها شيء وإنما هي وقف على نجاح هذه الدعوة وإيصالها إلى قلوب الناس و ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ) (التوبة:111). و ومن ذلك نرى المسلم يجعل دنياه وقفا على دعونه ليكسب آخرته جزاء تضحيته. ومن هنا كان الفاتح المسلم أستاذا يتصف بكل ما يجب أن يتحلى به الأستاذ من نور وهداية ورحمة ورأفة, وكان الفتح الإسلامي فتح تمدين وتحضير و إرشاد و تعليم, وأين هذا ما يقوم به الاستعمار الغربي الآن؟

أين المسلمون من هذه الغاية؟

فبربك عزيزي: هل فهم المسلمون من كتاب ربهم هذا المعنى فسمت نفوسهم ورقت أرواحهم, وتحرروا من رق المادة وتطهروا من لذة الشهوات والأهواء, و ترفعوا عن سفاسف الأمور ودنايا المقاصد, و وجهوا وجوههم للذي فطر السموات والأرض حنفاء يعلون كلمة الله ويجاهدون في سبيله, وينشرون دينه ويذودون عن حياض شريعته, أم هؤلاء أسرى الشهوات وعبيد الأهواء والمطامع, كل همهم لقمة لينة و مركب فاره وحلة جميلة ونومة مريحة وامرأة وضيئة ومظهر كاذب ولقب أجوف

رضوا بالأماني و ابتلوا بحظوظهم و خاضوا بحار الجد دعوى فما ابتلوا

و صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار , تعس عبد الدرهم, تعس عبد القطيفة)

الغاية أصل الأعمال..

و بما أن الغاية هي التي تدفع إلى الطريق, و لما كانت الغاية في أمتنا غامضة مضطربة كان لابد من أن نوضح و نحدد, و أظننا وصلنا إلى كثير من التوضيح واتفقنا على أن مهمتنا سيادة الدنيا وإرشاد الإنسانية كلها إلى نظم الإسلام الصالحة و تعاليمه التي بغيرها أن يسعد الإنسان.

مصادر غايتنا..

تلك هي الرسالة التي يريد الإخوان المسلمون أن يبلغوها للناس وأن تفهمها الأمة الإسلامية حق الفهم, وتهب لإنفاذها في عزم وفي مضاء, لم يبتعها الإخوان ابتداعا, و لم يختلقوها من أنفسهم, وإنما هي الرسالة التي تتجلى في كل آية من آيات القرآن الكريم, وتبدوا في غاية الوضوح في كل حديث من أحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه و سلم وتظهر في كل عمل من أعمال الصدر الأول الذين هم المثل الأعلى لفهم الإسلام وإنفاذ تعاليم الإسلام, فإن شاء المسلمون في أن يقبلوا هذه الرسالة كان ذلك دليل الإيمان والإسلام الصحيح, وإن رأوا فيها حرجًا أو غضاضة فبيننا وبينهم كتاب الله تبارك وتعالى, حكم عدل وقول فصل يحكم بيننا وبين إخواننا ويظهر الحق لنا أو علينا (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين) (الأعراف:89).

إلى أي شيء ندعو الناس – مجموعة الرسائل الإمام البنا

أركـان البيـعـة

أيها الإخوان الصادقون

أركان بيعتنا عشر فاحفظوها:

“الفهم والإخلاص والعمل والجـهــاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخـوَّة والثقة”.

الفهــم

إنما أريد بالفهم :

أن توقن بأن فكرتنا إسلامية صميمة وأن تفهم الإسلام كما نفهمه, في حدود هذه الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز:

1- الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.

2- والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن طبقًا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات.

3- وللإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور وحلاوة يقذفهما الله في قلب من يشاء من عباده، ولكن الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية, ولا تعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه.

4- والتمائم والرقي والودع والرمل والمعرفة والكهانة وادعاء معرفة الغيب, وكل ما كان من هذا الباب منكر تجب محاربته إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة.

5- ورأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه، وفيما يحتمل وجوها عدة وفي المصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية, وقد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادات, و الأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني, وفي العاديات الالتفات إلى الأسرار والحكم و المقاصد.

6- وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم, وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه, وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالإتباع، ولكنا لا نعرض للأشخاص فيما اختلف فيه بطعن أو تجريح, ونكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا.

7- ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إمامًا من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الإتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلته، وان يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صلاح من أرشده وكفايته, وأن يستكمل نقصه العلمي إن كان من أهل العلم حتى يبلغ درجة النظر.

8- والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين, ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره, ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة, من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب.

9- وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعًا, ومن ذلك كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع, والخوض في معاني الآيات القرآنية الكريمة التي لم يصل إليها العلم بعد، والكلام في المفاضلة بين الأصحاب رضوان الله عليهم وما شجر بينهم من خلاف, ولكل منهم فضل صحبته وجزاء نيته وفي التأول مندوحة.

10- ومعرفة الله تبارك وتعالى وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام، وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يليق بذلك من التشابه, نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل, ولا نتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء, ويسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)(آل عمران:7) .

11- وكل بدعة في دين الله لا أصل لها، استحسنها الناس بأهوائهم سواء بالزيادة فيه أو بالنقص منه ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شر منها.

12- والبدعة الإضافية والتَّركِية والالتزام في العبادات المطلقة خلاف فقهي, لكل فيه رأيه, ولا بأس بتمحيص الحقيقة بالدليل والبرهان.

13- ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى, والأولياء هم المذكورون بقوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)، والكرامة ثابتة بشرائطها الشرعية, مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا في حياتهم أو بعد مماتهم فضلا عن أن يهبوا شيئا من ذلك لغيرهم.

14- وزيارة القبور أيا كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة, ولكن الاستعانة بالمقبورين أيا كانوا ونداؤهم لذلك وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم وتشيد القبور وسترها وأضاءتها والتمسح بها والحلف بغير الله وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها, ولا نتأول لهذه الأعمال سدا للذريعة.

15- والدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله تعالى بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة.

16- والعرف الخاطئ لا يغير حقائق الألفاظ الشرعية, بل يجب التأكد من حدود المعاني المقصود بها, والوقوف عندها, كما يجب الاحتراز من الخداع اللفظي في كل نواحي الدنيا والدين, فالعبرة المسميات لا بالأسماء.

17- والعقيدة أساس العمل, وعمل القلب أهم من عمل الجارحة, وتحصيل الكمال في كليهما مطلوب شرعاّ وإن اختلفت مرتبتا الطلب.

18- والإسلام يحرر العقل, ويحث على النظر في الكون, ويرفع قدر العلم والعلماء, ويرحب بالصالح والنافع من كل شيء، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

19- وقد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرة الآخر, ولكنهما لن يختلفا في القطعي, فلن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة، ويؤول الظني منهما ليتفق مع القطعي, فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالإتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار .

20- ولا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض برأي أو بمعصية إلا إن أقر بكلمة الكفر, أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة, أو كذب صريح القرآن, أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال, أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر.

و إذا علم الأخ المسلم دينه في هذه الأصول, فقد عرف معنى هتافه دائما (القرآن دستورنا و الرسول قدوتنا) .

رسالة التعاليم – مجموعة الرسائل الإمام البنا

إســلامـنا

اسمع يا أخي: دعوتنا دعوة أجمع ما توصف به أنها ( إسلامية ) و لهذه الكلمة معنى واسع غير ذلك المعنى الضيق الذي يفهمه الناس، فإنا نعتقد أن الإسلام معنى شامل ينتظم شؤون الحياة جميعا، ويفتي في كل شأن منها و يضع له نظاما محكما دقيقا، ولا يقف مكتوفا أمام المشكلات الحيوية والنظم التي لا بد منها لإصلاح الناس. فهم بعض الناس خطأ أن الإسلام مقصور على ضروب من العبادات أو أوضاع من الروحانية، وحصروا أنفسهم وأفهامهم في هذه الدوائر الضيقة من دوائر الفهم المحصور.

و لكنا نفهم الإسلام على غير هذا الوجه فهما فسيحا واسعا ينتظم شؤون الدنيا والآخرة، ولسنا ندعي هذا ادعاء أو نتوسع فيه من أنفسنا، و إنما هو ما فهمناه من كتاب الله وسيرة المسلمين الأولين، فإن شاء القارئ أن يفهم دعوة الإخوان بشيء أوسع من كلمة إسلامية فليمسك بمصحفه و ليجرد نفسه من الهوى و الغاية ثم يتفهم ما عليه القرآن فسيرى في ذلك دعوة الإخوان.

أجل: دعوتنا إسلامية، بكل ما تحتمل الكلمة من معان، فافهم فيها ما شئت بعد ذلك وأنت في فهمك هذا مقيد بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالحين من المسلمين، فأما كتاب الله فهو أساس الإسلام و دعامته وأما سنة نبيه فهي مبينة الكتاب و شارحته وأما سيرة السلف الصالح فهم رضوان الله عليهم منفذو أوامره والآخذون بتعاليمه وهم المثل العملية والصورة الماثلة لهذه الأوامر و التعاليم.

دعوتنا – مجموعة الرسائل الإمام البنا

رأي في التصوف

ولعل من المفيد أن أسجل في هذه المذكرات بعض خواطر – حول التصوف والطرق في تأريخ الدعوة الإسلامية – تتناول نشأة التصوف وأثره وما صار إليه وكيف تكون هذه الطرق نافعة للمجتمع الإسلامي. وسوف لا أحاول الاستقصاء العلمي أو التعمق في المعاني الاصطلاحية فإنما هي مذكرات تكتب عفو الخاطر فتسجل ما يتوارد في الذهن وما تتحرك به المشاعر، فإن تكن صوابا فمن الله ولله الحمد، وإن تكن غير ذلك فالخير أردت ولله الأمر من قبل ومن بعد.

حين اتسع عمران الدولة الإسلامية في صدر القرن الأول، وكثرت فتوحاتها وأقبلت الدنيا على المسلمين من كل مكان، وحببت إليهم ثمرات كل شيء، وكان خلفيتهم بعد ذك يقول للسحابة في كبد السماء: شرقي أو غربي فحيثما وقع قطرك جاءني خراجه. وكان طبيعيا أن يقبلوا على هذه الدنيا يتمتعون بنعيمها ويتذوقون حلاوتها وخيراتها في اقتصاد أحيانا وفي إسراف أحيانا أخرى، وكان طبيعيا أمام هذا التحول الاجتماعي، من تقشف عصر النبوة الزاهر إلى لين الحياة ونضارتها فيما بعد ذلك، أن يقوم من الصالحين الأتقياء العلماء الفضلاء دعاة مؤثرون يزهدون الناس في متاع هذه الحياة الزائل، ويذكرونهم بما قد يسره من متاع الآخرة الباقي: “وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون” ومن أول هؤلاء الذين عرفت عنهم هذه الدعوة – الإمام الواعظ الجليل – الحسن البصري، وتبعه على ذلك كثير من أضرابه الدعاة الصالحين، فكانت طائفة في الناس معروفة بهذه الدعوة إلى ذكر الله واليوم الآخر. والزهادة في الدنيا، وتربية النفوس على طاعة الله وتقواه.

وطرأ على هذه الحقائق ما طرأ على غيرها من حقائق المعارف الإسلامية فأخذت صورة العلم الذي ينظم سلوك الإنسان ويرسم له طريقا من الحياة خاصا: مراحله الذكر والعبادة ومعرفة الله، ونهايته الوصول إلى الجنة ومرضاة الله.

وهذا القسم من علوم التصوف، واسمه “علوم التربية والسلوك”، لا شك أنه من لب الإسلام وصميمه، ولا شك أن الصوفية قد بلغوا به مرتبة من علاج النفوس ودوائها، والطب لها والرقي بها، لم يبلغ إليها غيرهم من المربين، ولا شك أنهم حملوا الناس بهذا الأسلوب على خطة عملية من حيث أداء فرائض الله واجتناب نواهيه، وصدق التوجه إليه، وإن كان ذلك لم يخل من المبالغة في كثير من الأحيان تأثراً بروح العصور التي عاشت فيها هذه الدعوات: كالمبالغة في الصمت والجوع والسهر والعزلة.. ولذلك كله أصل في الدين يرد إليه، فالصمت أصله الإعراض عن اللغو، والجوع أصله التطوع بالصوم، والسهر أصله قيام الليل، والعزلة أصلها كف الأذى عن النفس ووجوب العناية بها.. ولو وقف التطبيق العملي عند هذه الحدود التي رسمها الشارع لكان في ذلك كل الخير.

ولكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حد السلوك والتربية، ولو وقفت عند هذا الحد لكان خيرا لها وللناس، ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى إلى تحليل الأذواق والمواجد، ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها، فخلطت بذلك الدين بما ليس منه، وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأي والعقيدة ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد والتقشف، والرغبة في الحصول على هذه النتائج الروحية الباهرة وأصبح كل ما يكتب أو يقال في هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين في دين الله والحريصين على صفائه ونقائه.

وجاء بعد ذلك دور التشكل العملي للفكرة فنشأت فرق الصوفية وطوائفهم، كل على حسب أسلوبه في التربية. وتدخلت السياسة بعد ذلك لتتخذ من هذه التشكيلات تكأة عند اللزوم، ونظمت الطوائف أحيانا على هيئة النظم العسكرية، وأخرى على هيئة الجمعيات الخاصة.. حتى انتهت إلى ما انتهت إليه من هذه الصورة الأثرية التي جمعت بقية ألوان هذا التاريخ الطويل، والتي ممثلها الآن في مصر مشيخة الطرق الصوفية ورجالها وأتباعها.

ولا شك أن التصوف والطرق كانت من اكبر العوامل في نشر الإسلام في كثير من البلدان وإيصاله إلى جهات نائية ما كان ليصل إليها إلا على يد هؤلاء الدعاة، كما حدث ويحدث في بلدان أفريقيا وصحاريها ووسطها، وفي كثير من جهات آسيا كذلك.

ولا شك أن الأخذ بقواعد التصوف في ناحية التربية والسلوك له الأثر القوي في النفوس والقلوب، ولكلام الصوفية في هذا الباب صولة ليست لكلام غيرهم من الناس.. ولكن هذا الخلط أفسد كثيرا من هذه الفوائد وقضى عليها. ومن واجب المصلحين أن يطيلوا التفكير في إصلاح هذه الطوائف من الناس، وإصلاحهم سهل ميسور، وعندهم الاستعداد الكامل له، ولعلهم أقرب الناس إليه لو وجهوا نحوه توجيها صحيحا، وذلك لا يستلزم أكثر من أن يتفرغ نفر من العلماء الصالحين العاملين، والوعاظ الصادقين المخلصين لدراسة هذه المجتمعات، والإفادة من هذه الثروة العلمية، وتخليصها مما علق بها، وقيادة هذه الجماهير بعد ذلك قيادة صالحة.

وأذكر أن السيد توفيق البكري رحمه الله فكر في ذلك، وقد عمل دراسات علمية عملية لشيوخ الطرق وألف لهم فعلا كتابا في هذا الباب، ولكن المشروع لم يتم ولم يهتم به من بعده الشيوخ، وأذكر من ذلك أن الشيخ عبد الله عفيفي رحمه الله كان معنيا بهذه الناحية وكان لين الحديث فيها مع شيوخ الأزهر وعلماء الدين، ولكنه كان مجرد تفكير نظري لا أثر للتوجه إلى العمل فيه، ولو أراد الله والتقت قوة الأزهر العلمية بقوة الطرق الروحية بقوة الجماعات الإسلامية العملية، لكانت أمة لا نظير لها: توجه ولا تتوجه، وتقود ولا تنقاد، وتؤثر في غيرها ولا يؤثر شيء فيها، وترشد هذا المجتمع الضال إلى سواء السبيل.

مذكرات الدعوة والداعية – الإمام البنا

الإخوان فكرة إصلاحية شاملة

كان من نتيجة هذا الفهم العام الشامل للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمة، وتمثلت فيها كل عناصر غيرها من الفكر الإصلاحية، وأصبح كل مصلح مخلص غيور يجد فيها أمنيته، والتقت عندها آمال محبي الإصلاح الذين عرفوها وفهموا مراميها، وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك، إن الإخوان المسلمين:

( 1 ) دعوة سلفية: لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله.

( 2 ) وطريقة سنية: لأنهم يحملون أنفسهم علي العمل بالسنة المطهرة في كل شيء، وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلا .

( 3 ) وحقيقة صوفية : لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب، والمواظبة علي العمل، والإعراض عن الخلق ، والحب في الله، والارتباط علي الخير.

( 4 ) وهيئة سياسية: لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب علي العزة والكرامة والحرص علي قوميته إلي أبعد حد.

( 5 ) وجماعة رياضية: لأنهم يعنون بجسومهم، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول: (إن لبدنك عليك حقاً) وإن تكاليف الإسلام كلها لا يمكن أن تؤدي كاملة صحيحة إلا بالجسم القوي، فالصلاة والصوم والحج والزكاة لا بد لها من جسم يحتمل أعباء الكسب والعمل والكفاح في طلب الرزق، ولأنهم تبعاً لذلك يعنون بتشكيلاتهم وفرقهم الرياضية عناية تضارع وربما فاقت كثيراً من الأندية المتخصصة بالرياضة البدنية وحدها.

( 6 ) ورابطة علمية ثقافية: لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضة علي كل مسلم ومسلمة، ولأن أندية الأخوان هي في الواقع مدارس للتعليم والتثقيف ومعاهد لتربية الجسم والعقل والروح.

( 7 ) وشركة اقتصادية: لأن الإسلام يعني بتدبير المال و كسبه من وجهه وهو الذي يقول نبيه صلي الله عليه وسلم : (نعم المال الصالح للرجل الصالح) ويقول: (من أمسي كالاً من عمل يده أمسي مغفوراً له)، (إن الله يحب المؤمن المحترف).

( 8 ) وفكرة اجتماعية: لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامي ويحاولون الوصول إلي طرق علاجها وشفاء الأمة منها.

وهكذا نري أن شمول معني الإسلام قد أكسب فكرتنا شمولاً لكل مناحي الإصلاح، ووجه نشاط الإخوان إلي كل هذه النواحي، وهم في الوقت الذي يتجه فيه غيرهم إلي ناحية واحدة دون غيرها يتجهون إليها جميعاً ويعلمون أن الإسلام يطالبهم بها جميعاً .

ومن هنا كان كثير من مظاهر أعمال الإخوان يبدو أمام الناس متناقضاً وما هو بمتناقض.

فقد يري الناس الأخ المسلم في المحراب خاشعاً متبتلاً يبكي ويتذلل، وبعد قليل سكون هو بعينه واعظاً مدرساً يقرع الآذان بزواخر الوعظ، وبعد قليل تراه نفسه رياضياً أنيقاً يرمي بالكرة أو يدرب علي العدو أو يمارس السباحة، وبعد فترة يكون هو بعينه في متجره أو معمله يزاول صناعته في أمانة وفي إخلاص. هذه مظاهر قد يراها الناس متنافرة لا يلتئم بعضها ببعض، ولو علموا أنها جميعاً يجمعها الإسلام ويأمر بها الإسلام ويحض عليها الإسلام لتحققوا فيها مظاهر الالتئام ومعاني الانسجام، ومع هذا الشمول فقد اجتنب الإخوان كل ما يؤخذ علي هذه النواحي من المآخذ ومواطن النقد والتقصير.

رسالة المؤتمر الخامس – مجموعة الرسائل الأمام البنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: