الايمان

Spread the love

أ.د يوسف القرضاوي

إن قضية “الإيمان” ليست أمراً على هامش الوجود، يجوز لنا أن نغفله أو نستخف به، أو ندعه في زوايا النسيان، كيف وهي أمر يتعلق بوجود الإنسان ومصيره؟ بل أجد قضية الإيمان هي أعظم “قضية مصيرية” بالنظر إلى الإنسان.

إنها سعادة الأبد أو شقوته، إنها لجنة أبداً أو لنار أبداً، فكان لزاماً على كل ذي عقل أن يفكر فيها ويطمئن إلى حقيقتها.

وقد فكر الكثيرون من أولي الألباب، وانتهى كل منهم إلى إثبات العقيدة في الله بطريقه الخاص.

فمنهم من استند إلى صوت الفطرة في أعماقه {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (إبراهيم:10)، {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (الروم:30).

ومنهم من استند على مبدأ “السببية” الذي يقرر أن كل صنعة لابد لها من صانع، وكل حادث لابد له من محدث، وكل حركة لابد لها من محرك، وكل نظام لابد وإن يكون وراءه منظِّم، وهذا المبدأ ثابت ثبوت الأوليات البديهية في العقول.

ومنهم من ناقش المسألة مناقشة حسابية، رياضية، فانتهى إلى أن الأضمن لحياته، وما بعد حياته: أن يؤمن بالله وبالآخرة والبعث والجزاء. وفي مثل هذا يقول الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري:

قال المنجم والطبيب كلاهمـا لا تبعث الأموات ، قلت : إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكــما

وقال الفيلسوف الرياضي “باسكال”:

“إما أن تعتقد أن الله موجود أو لا تعتقد ذلك، فماذا تختار؟ إن عقلك لعاجز كل العجز أن يختار، وإنها للعبة جارية بينك وبين الطبيعة، رمى فيها كل منكما بسهمه، ولابد أن يربح أحد السهمين .. فوازن بين كل ما يمكن أن تربح، وما يمكن أن تخسر. إذا راهنت بكل ما تملك على ظهور السهم الأول -أي على وجود الله- فإذا كسبت الرهان، فقد حصلت على سعادة أبدية. فإذا أخفقت فسوف لا تفقد شيئاً مهماً … فلست تخاطر إلا بشيء فإن، وكل غرم فإن، -ولو كان محقق الوقوع- متحمل ومعقول”.

ونحن نزيد على هذا فنقول: إن الذي يؤمن بالله والدار الآخرة لا يخاطر بدنياه الفإنية ليربح اخوته الباقية … كلا، إنه بإيمانه يربح الحياتين معاً، ويفوز بالحسنيين في الدنيا والآخرة جميعا. وصدق الله العظيم: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} (النساء:134) {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ} (النحل: 30).

إن العبادات التي فرضها الدين إنما هي وسائل لتزكية نفس المؤمن وترقية روحه، وما أقل ما يبذل فيها من جهد، إلى جنب ما يكسب وراءها من خير.

وإن المحرمات التي حظرها عليه الدين، إنما صان بتحريمها عقله وخلقه ونفسه وماله وعرضه ونسله، فهو إنما {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف: 157)

والدين إذا حرم على الناس شيئاً عوَّضهم ما هو خير منه، مما لا يشتمل على مفسدة الشيء المحرم.

إن المؤمن لم يخسر شيئاً بعبادة الله سبحانه، واتقائه ما حرم الله عليه، وإنما ربح الهدى والاستقامة على الحق، والثبات على الخير، والاستعلاء على الشهوات، وربح بعد ذلك هدوء النفس وطمأنينة الحياة.

وفي عصرنا هذا أصبح الناس يجرون وراء المنفعة لاهثين، حتى أن كثيراً منهم ليرون الحق فيما ينفعهم لا فيما يطابق الواقع أو ما تقوم البراهين على صحته.

وقد قام مذهب برأسه ينادي بأن “المنفعة مقياس الحقيقة” ويصر على أن المهم من كل شيء هو نتائجه وما يترتب عليه من آثار في حياتنا العملية.. وعلى أن الصدق ليس هو مطابقة الخبر للواقع، بل انسجامه مع ما يقع، وهكذا، فكل شيء يحكم عليه بما يتبعه من نتائج، فإن كانت هذه النتائج متناسبة مع أغراضنا، ومع ما نريد من مقدماتها، كانت خيراً وصدقاً وحقاً. وإن كانت غير ذلك كانت شراً وكذباً وباطلاً، ولا يوصف الفعل بحسن ولا قبح، ولا يوصف القول بالصدق والكذب حتى تعرف ثمرته (مقتبس من خاتمة الدكتور محمود حب الله لكتابي “إرادة الاعتقاد” و “العقل والدين” لوليم جيمس.) هذا هو مذهب “البراجماتزم”.

ونحن لا نخشى هذا المذهب على عقيدتنا -وإن كنا لا نوافق عليه في الجملة- فإننا نوقن أن أنفع شيء للناس هو الحق، وإن أضر شيء بالناس هو الباطل، وقد ضرب القرآن مثلاً للحق بالماء السائل والمعدن النافع، وللباطل بالزبد الرابي على وجه الماء حين يسيل به الوادي، أو الرغوة المنتفخة على وجه المعدن حين يوقد عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع.

ثم قال تعالى معقباً على هذا التمثيل: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ}(الرعد : 17).

والذي يمكث في الأرض هو الحق، وهو الذي عبر عنه القران بـ (ما ينفع الناس) إنه ينفعهم مادياً ومعنوياً، ينفعهم أجساماً وعقولاً وقلوباً، وينفعهم أفراداً وجماعات، وينفعهم دنيا وآخرة.

إننا إذا وافقنا على اعتبار المنفعة في الجملة فإننا نختلف مع الماديين في قياس المنفعة، وتحديد نوعها ومداها. نحن لا نقيس المنفعة بالكم وبالمادة فحسب، ولا نعتبر المنفعة الفردية وحدها، بل ندخل في اعتبارنا الكم والكيف والمادة والروح، والفرد والمجتمع جميعاً.

بل نحن لا نقصر المنفعة على الحياة العاجلة هنا، بل نضع في حسابنا دائماً الحياة الآخرة حياة الخلود التي أعدت للإنسان وأعد لها الإنسان.

هذه السطور تمهيد لابد منه، لبيان غرضنا من تأليف هذا الكتاب: “الإيمان والحياة” (هذا الكتاب هو الذي سبق أن أعلنت عنه بعنوان “العقيدة والحياة” ولكني آثرت أن أستعمل الكلمة التي استعملها القرآن الكريم في التعبير عن العقيدة وهي كلمة “الإيمان” ولا شك أن إيحاءها أعمق وأقوى).

نقلا عن كتاب الإيمان والحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: