صيد الخاطر.. الجمعية على الله وعبودية الوقت

Spread the love

علاء الدين عبدالماجد

عكوف (القلب) على الله، وجمع الهمة عليه، وتفريغ القلب لمحبته جل في علاه، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والاشتغال بمرضاته، هو عينه الجمعية على الله، وهو أفضل أنواع العبادات عند بعض أرباب السلوك، والجمعية على الله عنده تكون بدوام ذكره بالقلب واللسان، والاشتغال بمراقبته، دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت له .

تقبل علينا العشر الأواخر من رمضان وقد شرع ربنا جل في علاه علينا عبادة في جمع القلب عليه، يقول طبيب القلوب العلامة ابن القيم: “الاعتكافُ الذي مقصودهُ وروحهُ (عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه)، والخلوة به عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه..

بحيث يصير ذكره، وحبه، والإقبال عليه في محل هموم القلب، وخطراتهِ؛ فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كلّه به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه، وما يُقرِّب منه؛ فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق؛ فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه؛ فهذا مقصود الاعتكافِ الأعظم”. هذه لا يعرفها إلاّ من تنعم بها قلبه وتتلذذ، وقد قيل من من قديم (من ذاق عرف)

فهذه أفضل عبودية في العشر فهي عبودية الوقت؛ إذ هي العمل على مرضاة الرب سبحانه وتعالى في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، والأفضل في أوقات السحر الاشتغال بالصلاة والقرآن، والدعاء والذكر والاستغفار، والأفضل في وقت قراءة القرآن (جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه)، حتى كأن الله تعالى يخاطبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره، والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك.

والأفضل في العشر الأخير من رمضان لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم، وإقرائهم القرآن، عند كثير من العلماء. وعليه فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه.

وقد أشار الإمام الهروي صاحب المنازل إلى (منزلة التبتل) من قوله تعالى: (وتبتل إليه تبتيلاً)، والتبتل الانقطاع، وهو تفعل من البتل وهو القطع. وسميت مريم عليها السلام البتول لانقطاعها عن الأزواج، ومعناه عند علماء التزكية الانقطاع إلى الله بالكلية.

والتبتل يجمع أمرين اتصالاً وانفصالاً، لا يصح إلا بهما، فالانفصال انقطاع القلب عن حظوظ النفس المزاحمة لمراد الرب منه، وعن التفات قلبه إلى ما سوى الله، خوفاً منه، أو رغبة فيه، أو مبالاة به، أو فكرًا فيه، بحيث يشغل قلبه عن الله.

أما الإتصال لا يصح إلا بعد هذا الانفصال، وهو اتصال القلب بالله، وإقباله عليه، وإقامة وجهه له، حبًا وخوفًا ورجاءً، وإنابةً وتوكلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: